العيني

214

عمدة القاري

ذكر لغاته ومعناه قوله : ( ذكرته ) أي : ذكرت قول ابن عمر لعائشة ولفظ في حديث الآخر الذي يأتي : ( سألت عائشة رضي الله تعالى عنها ، وذكرت لها قول ابن عمر : ما أحب أن أصبح محرماً أنضخ طيباً ، فقالت عائشة : أنا طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديث وقد بين مسلم أيضاً في روايته عن محمد بن المنكدر ، قال : ( سألت ابن عمر عن الرجل يتطيب ثم يصبح محرماً ) فذكره وزاد ، قال ابن عمر : ( لأن اطلى بقطران أحب لي من أن أفعل ذلك ) وكذا ساقه الإسماعيلي بتمامه عن الحسن بن سفيان عن محمد بن بشار ، وقال الكرماني : ( ذكرته ) أي : قول ابن عمر : ما أحب أن أصبح محرماً انضخ طيباً ، وكنى بالضمي عنه ، لأنه معلوم عند أهل الشأن قلت : هذا كلام عجيب ، فالوقوف على مثل هذا مختص بأهل الشأن ، فإذا وقف أحد من غير أهل الشأن على هذا الحديث يتحير فلا يدري أي شيء يرجع إليه الضمير في قوله ( وذكرته ) وكان ينبغي للبخاري ، بل كان المتعين عليه أن يقدم رواية أبي النعمان هذا الحديث على رواية محمد بن بشار ، لأن رواية أبي النعمان ظاهرة ، والذي يقف على رواية محمد بن بشار بعد وقوفه على رواية أبي النعمان لا يتوقف في مرجع الضمير ، ويعلم أنه يرجع إلى قول ابن عمر ، رضي الله تعالى عنهما ، وقال بعضهم : فكأن المصنف اختصره لكون المحذوف معلوماً عند أهل الحديث في هذه القصة . قلت : هذا أعجب من ذلك ، مع أنه أخذ ما قاله منه وقال أيضاً أو حدثه به محمد بن بشار مختصراً قلت : فعلى هذا كان يتعين ذكره بعد ذكر رواية أبي النعمان كما ذكرنا قوله : ( فيطوف على نسائه ) قال بعضهم : هو كناية عن الجماع . قلت : يحتمل أن يراد به تجديد العهد بهن ، ذكره الإسماعيلي ، ولكن القرينة دلت على أن المراد هو الجماع ، والدليل عليه قوله في حديث أنس الذي يأتي : ( كان النبي الله يدور على نساءه في الساعة الواحدة من الليل والنهار ) قوله : ( ينضخ ) بفتح الياء والضاد المعجمة بعدها خاء معجم ، أي : يفور ، ومنه قوله تعالى : * ( فيهما عينان نضاختان ) * ( سورة الرحمان : 66 ) وهذا هو المشهور ، وضبطه بعضهم بالحاء المهملة ، قاله الإسماعيلي ، وكذا ضبطه عامة من حدثنا وهما متقاربان في المعنى . وقال ابن الأثير : وقد اختلف في أيهما أكثر ، والأكثر بالمعجمة أقل من المهملة ، وقيل : بالمعجمة الأثر يبقى في الثوب والجسد ، وبالمهملة الفعل نفسه ، وقيل : بالمعجمة ما فعل متعمداً . وبالمهملة من غير تعمد وذكر صاحب ( المطالع ) عن ابن كيسان أنه بالمهملة لما رق كالماء ، وبالمعجمة لما ثخن كالطيب . وقال النووي : هو بالمعجمة أقل من المهلمة ، عكسه ، وقال ابن بطال : من رواه بالحاء فالنضخ ، عند العرب كاللطخ ، يقال : نضح ثوبه بالطيب ، هذا قول الخليل ، وفي كتاب ( الأفعال ) نضخت العين بالماء نضخاً إذا فارت ، واحتج بقوله تعالى : * ( فيهما عينان نضاختان ) * ومن رواه بالحاء فقال صاحب ( العين ) نضخت العين بالماء إذا رأيتها تفور وكذلك العين الناطرة إذا رأيتها مغروقة وفي الصحاح قال أبو زيد النضخ بلا عجام الرش مثل النضح ، بالإهمال ، وهما بمعنى . وقال الأصمعي : يقال : أصابه نضخ من كذا ، وهو أكثر من النضخ بالمهملة . قوله : ( طيباً ) نصب على التميز . ذكر استنباط الأحكام منه فيه : دلالة على استحباب الطيب عند الإحرام ، وإنه لا بأس به إذا استدام بعد الإحرام ، وإنما يحرم ابتداؤه في الإحرام وهذا مذهب الثوري والشافعي وأبي يوسف وأحمد بن حنبل وداود وغيرهم ، وبه قال جماعة من الصحابة والتابعين وجماهير المحدثين والفقهاء ، فمن الصحابة : سعد بن أبي وقاص وابن عباس وابن الزبير ومعاوية وعائشة وأم حبيبة ، رضي الله تعالى عنهم . وقال آخرون بمنعه منهم : الزهري ومالك ومحمد بن الحسن ، وحكي عن جماعة من الصحابة والتابعين ، وادعى بعضهم أن هذا التطيب كان للنساء لا للإحرام ، وادعى أن في هذه الرواية تقديماً وتأخيراً ، التقدير : فيطوف على نسائه ينضخ طيباً ثم يصبح محرماً وجاء ذلك في بعض الروايات ، والطيب يزول بالغسل لا سيما أنه ورد أنه كان يغتسل عند كل واحدة منهن ، وكان هذا الطيب ذريرة كما أخرجه البخاري في اللباس وهو مما يذهبه الغسل ، وتقويه رواية البخاري الآتية قريباً : ( طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم طاف في نسائه ثم أصبح محرماً ) وروايته الآتية أيضاً : ( كأني انظر إلى وبيص الطيب في مفرقه وهو محرم ) . وفي بعض الروايات ، بعد ثلاث ، وقال القرطبي : هذا الطيب كان دهناً له أثر فيه مسك فزال وبقيت رائحته ، وادعى بعضهم خصوصية ذلك بالشارع ، فإنه أمر صاحب الجبة بغسله . قال المهلب ، رحمه الله تعالى السنة اتحاد الطيب للنساء والرجال عند الجماع فكان صلى الله عليه وسلم املك لإربه من سائر أمته فلذلك كان لا يتجنب الطيب . في الإحرام . ونهانا عنه لضعفنا عن ملك الشهوات ، إذ الطيب أسباب الجماع . وفيه : الاحتجاج لمن لا يوجب الدلك في الغسل ، لأنه لو كان ذلك لم